الشنقيطي

84

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يحرضوهم ، فكان كما علم سبحانه وحذر من مشابهتهم ، وعلم أنه لو أنزل القرآن على جبل ماذا يكون حاله ، فحث العباد بالأخذ به ، ولعلمه هذا بالغيب والشهادة ، كان حقا هو اللّه وحده . ثم مرة أخرى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [ الحشر : 23 ] ، برهان آخر في صور متعددة ، وبراهين متنوعة على وحدانيته سبحانه الملك القدّوس ، الملك المهيمن على ملكه القدّوس المسلم من كل نقص ، المسيطر على ما في ملكه كله لا يعزب عنه مثقال ذرة . كما قال تعالى : تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الملك : 1 ] . وهنا وقفة لتأمل اجتماع تلك الصفات معا عالم الغيب والشهادة ، والملك القدوس والسلام المهيمن ، فنجدها مترابطة متلازمة لأن العالم إذا لم يملك التصرف ولم يهيمن على شيء فلا فعالية لعلمه . والملك الذي لا يعلم ولم يتقدس عن النقص لا هيمنة له على ملكه . فإذا اجتمع كل ذلك وتلك الصفات : العلم والملك والتقديس والهيمنة ، حصل الكمال والجلال ، ولا يكون ذلك إلا للّه وحده العزيز الجبار المتكبر ، ولا يشركه أحد في شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون ، هو اللّه الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى . وهنا ، في نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم للّه . فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد . والبارىء الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير ، وليس كل من قدر شيئا أوجده إلا اللّه . والمصور المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها ، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا اللّه سبحانه وتعالى ، كما هو موجود في خلق اللّه للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه . وبالرجوع مرة أخرى إلى أول السياق ، فإن الخلق والتقدير لا بد أن يكون بموجب العلم سواء كان في الحاضر المشاهد أو للمستقبل الغائب ، وهذا لا يكون إلا للّه وحده عالم الغيب والشهادة ، فكان تقديره بموجب علمه والملك القدوس القادر